ابن ميثم البحراني
102
شرح نهج البلاغة
لكن ليس مقصودهم بها كتاب اللَّه بل غرض آخر باطل وهو فتور الحرب عنهم وتفرّق أهوائكم ونحوه ممّا لا يجوز أن يفعل . قوله : لا حكم إلَّا للَّه . تصديق لقولهم لكن لما عليه الكلمة في نفس الأمر لا لما رأوه حقّا من ظاهرها فإنّ حصر الحكم ليس بحقّ على معنى أنّه ليس للعبد أن يحكم بغير ما نصّ كتاب اللَّه عليه فإنّ أكثر الأحكام الفروعيّة غير منصوص عليها مع أنّها أحكام اللَّه بل تكون منتزعة بحسب الاجتهاد وساير طرقها لمن كان أهلا لذلك ، ويجب على من ليس له أهليّة الاجتهاد امتثالها ، ولمّا تصوّر الخوارج تلك الكلمة بمعنى أنّه لا يصحّ حكم لم يوجد في كتاب اللَّه ولا يجوز امتثاله والعمل به لا جرم قال : نعم لا حكم إلَّا للَّه لكن هؤلاء القوم يقولون : لا إمرة : أي لمّا نفوا أن يكون لغير اللَّه حكم لم ينصّ عليه فقد نفوا الإمرة لأنّ استنباط الأحكام والنظر في وجوه المصالح من لوازم الإمرة الَّتي هي حال الأمير في رعيّته ، ونفى اللازم يستلزم نفى الملزوم ، ولمّا كانوا قد نفوا الإمرة كذّبهم عليه السّلام بقوله : ولا بدّ للناس من أمير برّ أو فاجر . فكان جملة الكلام في معنى شرطيّة متّصلة هكذا : إذا قالوا لا حكم إلَّا للَّه كما تصوّروه فقد قالوا بنفي الإمرة لكنّ القول بنفي الإمرة باطل فالقول بنفي الحكم إلَّا للَّه كما تصوّروه باطل . فقوله : ولا بدّ للناس من أمير . في معنى استثناء نقيض تالي المتّصلة ، وتقريره : أنّ الإنسان خلق ممنوّا بمقارنة النفس الأمّارة بالسوء محتاجا إلى مجموع قوى في بدنه هي منابع الشرّ . فأهواء الخلق لذلك مختلفة ، وقلوبهم متفرّقة فكانت طبيعة نظام أحوالهم في معاشهم وبقائهم محوجة إلى سلطان قاهر تأتلف برهبته الأهواء ، وتجتمع بهيبته القلوب ، وتنكفّ بسطوته الأيدي العادية إذ في طباع الخلق من حبّ المغالبة على ما آثروه ، والقهر لمن عاندوه ما لا ينكفّون عنه إلَّا بمانع قوىّ ورادع مليّ . وقد أفصح المتنبّي عن ذلك حيث يقول : لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى * حتّى يراق على جوانبه الدم والظلم من شيم النفوس فإن * تجد ذاعفة فلعلَّة لا يظلم وهذه العلَّة المانعة من الظلم عند الاستقراء يرجع إلى أمور أربعة : إمّا عقل زاجر ،